الشيخ محمد هادي معرفة
365
التفسير الأثرى الجامع
فإذا كانت التجارب الثلاث الماضية دروسا حول إنشاء قواعد التصوّر الإيماني وإيضاح هذا التصوّر وتعميق جذوره في نواح شتّى ، وكان محطّا في خطّ السورة الطويلة الّتي تعالج إعداد الجماعة المسلمة للنهوض بتكاليف دورها في قيادة البشريّة ، فمنذ الآن - ونحن نقترب إلى نهاية السورة - يتعرّض السياق لإقامة قواعد النظام الاقتصادي الاجتماعي الّذي يريد الإسلام أن يقوم عليها المجتمع المسلم ، وأن تنظّم بها حياة الجماعة المسلمة . إنّه نظام التكافل والتعاون والتراحم والتعاطف ، الممثّل في الزكاة المفروضة ، والصدقات المندوب إليها ، وسائر ما تتمثّل فيه روح هذا التعاطف والتكافل الجماعي . وليس النظام الربوي الاستثماري الّذي كان حاكما على الجاهليّة الأولى ، ولا تزال سائدة على الأوضاع الاجتماعيّة الراهنة في أكثر المجتمعات المختلعة عن معالم الإنسانيّة الكريمة . ومن ثمّ يتحدّث عن آداب الإنفاق في سبيل اللّه ، وشرائط إخلاصه المتناسب مع كرامة الإنسان وعواطفه النبيلة . ويمقت كارثة الربا وآثارها السيّئة المهدّدة لسلامة الاقتصاد العامّ . وهكذا يقرّر أحكام الدين والتجارة في الدروس الآتية في السورة . وهي تكوّن في مجموعها جانبا أساسيّا من نظام الاقتصاد الإسلامي العادل ، والحياة الاجتماعيّة السليمة الّتي تقوم عليه . وبين هذه الدروس الثلاثة الآتية ، صلة وثيقة ، فهي ذات موضوع واحد متشعّب الأطراف ، موضوع النظام الاقتصادي الإسلامي القويم . وفي هذا الدرس نجد الحديث عن وظيفة البذل والإنفاق ودستور الصدقة والتكافل ، ويرسم السياق في تفصيل وإسهاب ؛ يرسم هذا الدستور مظلّلا بظلال أليفة رفيقة تبثّ روح العطف والحنان والتوادّ والتراحم . وترفع بالإنسانيّة إلى مستوى كريم ، المعطي فيه والآخذ على سواء . والآن نواجه النصّ القرآني في هذا الدرس :